الأحد، 29 مارس 2009

معاوية الطيب .. في حضرة مقامك يطيب الجلوس !

معاوية الطيب .. في حضرة مقامك يطيب الجلوس !
استضافنا الزميل معاوية الطيب ليلة أمس الاثنين 21 اغسطس بداره العامرة ، كنا سبعة وثامننا (كلب) ، وتربيته وصحبته هواية تؤهل ‏لجمعيات الرفق بالحيوان في الغرب ، والكلب كان بهيا وباسط ذراعيه ، وما يميزه الوفاء في ‏زمن قل فيه الوفاء ، استقبل معاوية ضيوفه : هاشم كرار ،كبيرنا الذي علمناالصحافة ، وعوض ‏حمزة ، الفارس الذي يمتطي صهوة الكلمة والذي اكتشف درره معاوية ، صاحب الدار ، وعصام بندة ‏المسكون بحب الموردة (الحي والنادي) ، وللموردة نصيب في شعر عبدالرحمن الريح: ‏‏(ما عندي مانع حتى لو ضيعني ساكن الموردة )‏وبهاء بكري في هدوئه أسد هصور ومستودع أسرار(حق) ، وراشد خالد ، وفي وداعته سماحة النيل ‏الأبيض ، ومحمد الربيع (ابوعشوشة) الأديب الأريب ، والناقد الفذ ، أحسن معاوية استضافتنا حتى نافس ‏في كرمه وجوده (حاتم الطائي) الذي قال في شعره : أضاحكُ ضيفي قبل إنزال رحله ويُخْصِبُ عندي والمحلُّ جديبُ وما الخِصْبُ للأضيافِ أنْ يكثُرَ القِرى ولكنَّما وَجْهُ الكريمِ خَصيبُنسيت نفسي فقد كنت بينهم ، حاضرا حتى تبدد الوهم وعرفوا فيصل الزبير بلحمه ودمه (يا هو ظاااااطو كما ‏يقول ودهباني ) والعبارة ماركة مسجلة باسمه ، ومعرفة الرجال عندي (شرف كبير) لأنهم أفضل الأصحاب أو ‏كما قال الشاعر الجاهلي عديُّ بن زيد:‏إذا كنتَ في قومٍ فصاحب خيارهمولا تصحب الأردى فتردى من الردي‏وبالعدل فانطق إن نطقت ولا تلموذا الذم فأذممه وذا الحمد فاحمدولا تلحُ إلا من ألام ولا تلموبالبذل من شكوى صديقك فامدد ‏نصحتك لا تصحب سوى كل فاضلخليق السجايا بالتعفف والظَّرفِولا تعتمد غير الكرام فواحدٌمن الناس إن حصَّلتَ خيرٌ من الألفِ ‏جلستنا امتدت حتى هزيع الثلث الاخير إلا قليلا ، وأسكرتنا نشوة المعرفة حيث كان الشاعر عمرو بن كلثوم ‏الشاعر المطبوع حاضرا ببيته :‏‏ ألا هُبّي بصبحكِ فاصبحينا ولا تُبقي خمور الأندريناوطربنا لكلمات جادت بها قرائح الاصحاب الكرام وكان هاشم كرار في لحظات التجلي ينثر الدرر في ‏الحديث عن امدرمان ، وفي دواخلنا نردد كلمات الشاعر عبد المنعم عبد الحي التي تغنى بها احمد المصطفى ‏‏: ‏أنا امدرمان تامل في نجوعي ‏أنا السودان تمثل في ربوعي ‏انا ابن الشمال سكنته قلبي ‏على ابن الجنوب ضميت ضلوعي ‏انا امدرمان سلوا النيل عني ‏فخير بنيك يا سودان مني ‏غاب عن الجلسة الزميل نادوس ، ولكن ذكرته العطرة كانت حاضرة .‏‏ نواصل ...تابعونا


________
كان هاشم كرار متألقا ، يقف عند إطلال حزنه القديم و العقل متعجبا ، ومن اهتمامات الاخرين متعلما ويتخير كلماته وهي تتنزل كما الوحي متفكرا ومتدبرا ، تحركه روحه الشفيفة ، ونطرب لكلماته الظريفة ، حتى وجدنا فيها حلاوة ، تحدث كما لم يتحدث من قبل ، كصوفي استثاره خياله فمشى في الليل تداعبه بسمة الطفل الصغير، واحيانا يهمس ويصمت مجترا ذكريات قديمة ، ارتجل كلمة تبني وطنا ، واهدانا بسمة وتبدت امدرمان المدينة الانثى لوحة تجمع تنوع اهلها وهي تماما كما قال ادونيس ( قيمة المدينة ترتفع بقدر ارتباطها بالابداع الانساني) وفي شوارعها التي يشقها الترام كان الخليل يمشي ، وفيها تجلى التجاني يوسف بشير شعرا وكان الصدود نصيب الشاعر ابوصلاح فقد اشاحت "بدور" بوجهها عنه فانشد في حديقة القلعة : العيون النوركن بجهرا غير جمالكن مين السهرا يابدور القلعة وجوهرا اخفي ريدتك مرة واجهرا نار غرامك ربك يقهرا تجاذبنا اطراف الحديث ، ولم يعد الليل طفل يحبو ، وتبارينا في ساحة الكلمة ، وكم كانت دهشتنا ، ان كان عوض حمزة (فارسا) ، يمتلك ناصية الكلام ، يتخير مفرداته ، ويمارس هوايته في التصوير ، فهو مسكون بالجمال ، فالصورة عنده بالف كلمة ، وزاويتها ، تكشف عن عين ثاقبة ، فهو (ثمين) بدرره التي نثرها ، اضحكنا حتى ارتجت اوداجنا ، يسخر حتى من نفسه ، ونافس في ذلك اهلنا الرباطاب ، اماعصام بندة ، فهو معتق بذكريات الموردة ، كان مستمعا جيدا ، وشكل مع هاشم كرار (دويتو) ، يعشق فريق الموردة لكرة القدم ، وانتصاراته ، وشاركه في هذا العشق السرمدي عوض حمزة ، كلماته كانت مموسقة ، وفي ذاكرته تفاصيل لايام خلت مضمخمة برائحة الدعاش ، بينه وهاشم كرار (جدعات) ، كانا يجلسان سويا ، تذكرا سيرة (الهادي الضلالي) ، ابرز شخصيات امدرمان ، واحيانا يصمت وكأن في صمته كلاما ، وخلته يددن في دواخله ببيت (عتيق) يا ناعس الاجفان انا من صفاك مسحور بالله انت ملاك ولامن حسان الحور بهاء بكري ، يأسرك بهدوئه ، وترحابه الجميل، وذاكرته المتقدة ، لاينسى من يلقاه وان طال الزمن ، ذاكرته مخزن لكثير من المواقف ، تحزنه بعضها وتبهره مواقف الرجال ، فالنضال عنده (موقف) ، وكلمة (حق) ، ولذا ظل وسيظل يمسك بجمرة (حق) وفي النفس شئ من حتى وبعض من (ذكريات) في اسمرا والخرطوم ، ادهشني حضوره في مواقف تعرف فيهامعادن الرجال ، ابتدرنا نقاشا قبل 3 سنوات عندما كنت في جريدة الوطن ، ووجدته لايزال ممسكا بذلك الخيط عن تجربة (حق) ، يحفظ للراحل المقيم الخاتم عدلان ودا مقيما ، يستشهد بمواقفه ، يتذكر اقواله ، حقا عرفت بهاء حينما تحدث ، وسيتواصل حديثنا حتما في مساحات اخرى ، وارى ان يوثق علاقته بالراحل المقيم والمبدع مصطفى سيد احمد ، الكتابه مهمة لتوثيق العلاقات الاجتماعية ، فمصطفى كانت له تجربته الاجتماعية في علاقته مع الاخرين ، وفي تجربته مع المرض ، وواجبا علينا ان نوثق لهذه المرحلة فمصطفي ليس( اشرطة كاسيت) وانما قيمة فنية واجتماعية واخلاقية لمن يعرف (الاخلاق) !!

معاوية الطيب كان صاحب العرس وشيخ القبيلة ، اوفى وكفى ، راعى كل الاذواق فهو صاحب (ذوق) رفيع ، مائدته كانت عامره وشرابه كان سلسبيلا ، لعب راشد دورا في اعدادها ، قدم خدمات خمسة نجوم ، كان نصيبي اشهى انواع السمك وهو حسب الطلب ، ( ام فتت) كانت حاضرة ، وسبقتها (مقبلات) و(مشهيات )، بلغة الشوام ، تميزت الجلسة بمشاركة (رفائيل) وحدثتكم عنه في بداية البوست ، فهو صديق معاوية الوفي ، رشيق ، وبياض شعره يميزه ، ليس شراسا ، وصوته ليس نباحا ، مطيع ويسمع الكلام ، يعرف اين يجلس ، في الكنبة او السيارة ، وله طقوسه في ان يظل زجاج السيارة مفتوحا ليمارس هوايته في رصد المارة ، معاوية يلقي النكته على سجيته لاذعة ، (رافائيل) لم يعجبه حد المارة من الاخوة المصريين الذي سأل ده مين ؟ ولم يتردد معاوية ليطلقها ساخرة ولاذعة ( حسني مبارك) فبهت الرجل وقال مش كده ، وللطرفة بقية ، معاوية ليس امدرمانيا ، لكنه يعشقها ، وجزء منها ، ويعتبرونه فردا من عائلة بدري ، وبالطبع في ذاكرته حكايات وحكايات وكنا نريدها تترى على لسانه ولكنه فضل ان يكرم ضيوفه . وبددت دهشته حينما شرفته بالزيارة وكان ، هو وغيره من بعض البورداب ،يعتقدون انني شخصية (لاوجود لها) في المنبر، وبسبب كلمة حدث لبس صححه الاخوة فعرفت كل الحقيقة بفضل(بركات) الجلسة .
دار حيث بين (الدويتو ) ..‏هاشم : أنت من ناس امدرمان ‏بندة : ايوة وبعرف كل ناسها ‏هاشم : بتعرف تمبوشة في الموردة ‏بندة : ياااااخي .. تمبوشة مااااا ماتت .. الفاتحة ‏وهنا سجلت عدسة المبدع عوض حمزة اللحظة الحزينة ، هاشم وبندة ومعاوية ‏يرفعون الأكف بالفاتحة وأكاد اجزم إن دمعة طفرت من عيونهم الباكية !! ‏من هي تمبوشة . وما هي قصتها ؟ ‏وهنا يروي هاشم حكايتها !!‏يبدأ هاشم بصوته المميز وهنا أدرت جهاز التسجيل لنقل وقائع قصة تعود إلى ‏السبعينيات عندما كان السودان صحو من قاع امدرمان تلك المدينة الأنثى : ‏هاشم : أحييكم ... ولا ادري ما الذي سلط علي فيصل خالد ، هذا الجميل علي إنني ‏لأخشى إن يصبح مثل عمر الجزلي وأصير أنا من ضمن مراحيم برنامجه (أسماء ‏في حياتنا) .. يضحك هاشم .. ها ..هاها ..ها . ‏عموما تمبوشة كانت معلما من معالم مدينة امدرمان أو كما قال الأخ فيصل كانت من ‏معالم قاع مدينة امدرمان , كانت إمراة جميلة بصورة مدهشة ، وكان بيتها ملتقى ‏للكثير جدا من الذين يحاولون إن يتعبأوا بالفرح المعبأ ، هذه القصة كتبتها في أواخر ‏الثمانينات ونشرت في جريدة الأيام وكانت بعنوان (تلك الأشياء) !‏صديقي اسعد : ‏يبدو إن رسالتي إليك قد طالت ، عفوا صديقي اسعد .. سلامات يبدو إن رسالتي ‏إليك لم تصل بعد .. لانك كتبت لي تستعجلني الحضور إليك في السعودية لأعمل ‏معكم موظفا .. والملم كما قلت في رسالتك الرقيقة ، قرش قرشين وأتزوج حبيبتي ‏‏.. أتزوج ماذا ؟ ‏آه آه يا اسعد .‏لقد أوضحت لك في رسالتي السابقة كل التطورات المؤلمة والفاجعة التي حدثت ‏بالنسبة لي .. قلت لك إن حبيبتي ، أخيرا وبعد خمس سنوات من اللحظات الجميلة ، ‏اختارت الحب المبني على الأرقام ، وتزوجت سيارة ، ومنزلا أنيقا ، وحسابا جاريا ‏في احد البنوك ، .. وكان الجرح عميقا وغائرا ولا يزال ، ولكن الصقر إن وقع كتر ‏البتابت عيب . ‏نزفت في صمت ‏بكيت دون ضجة ‏وكرهت إن أكون مجرد ذكرى في حياة إنسان .‏فأرسلت إليها أشيائها .. الصور والخطابات .. أشرطة الكاسيت ..و..و..و . ‏كانت الدبلة التي البستنيها قبل أربع سنوات ، في تلك الأمسية الرائعة التي حدثتكم ‏عنها , تحيط أصبعي حتى أمس .. فقد فشلت تماما طيلة خمسة أشهر كاملة إن ‏انتزعها أحيانا .. إزاء الأشياء التافهة في نظر البعض نحن مطالبون يا اسعد بكميات ‏.. بكميات من الشجاعة .. ولكن الشجاعة .. الشجاعة .. وجدت نفسي أخيرا أمام باب ‏خشبي عتيق .. اختزنت ملامحه في ذاكرتي أعوام وأعوام .. دلفت إلى الداخل ‏استقبلتني رائحة قديمة تعود تعودتها خياشيمي من قبل .. كانت خليطا من رائحة التبغ ‏الرخيص والعرقي والمشك وأنفاس الناس المخمورين في الداخل .. والتيس المربوط ‏هناك في الزريبة . ‏السلام عليكم : ‏لدهشتي .. تب عبد الملك عند سماع صوتي واقفا .. استحالت الكؤوس التي ‏اكترعتها ، منذ مغيب الشمس إلى اللحظة التي راني فيها ، استحالت إلى فرحة ‏طفل يكتب لأول مرة اسمه فوق كراسة المدرسة لأول مرة . ‏رحب بي في حرارة وهو يقول : من شرب من عرقي تمبوشة مرة .. ‏دلقت سريعا الكأس في جوفي وأكملت : لابد إن يجئ ويفتش عن بصيص من ‏الشجاعة ..‏ضحك .. وكان عبد الملك لا يزال عبد الملك .. نفس البشاشة الآسرة .. نفس ‏الجلابية ذات الياقة .. نفس الطريقة الفنانة في الصمت .. ضحك والكلام بدا لي ‏وقتذاك إن الانغماس في الشراب والظلمة والعرقي والنتانة هو الشئ الوحيد الذي ‏يبقينا نحن كما نحن ..‏جاءني مزمل وقدم لي هو الأخر كأسا .. ثم من داخل الحجرة الطينية المظلمة ‏جاءت تمبوشة تتبسم .. وقبل إن تطوقني بزراعيها .. اجل بزراعيها يا اسعد ‏تكتكت بالضحك : الليلة من يا هاشم القشا ليك الدرب .‏ رمقت سريعا كفي اليمنى وقلت لها وأنا أكرف عبيرها الفواح : الحي مصيرو يلاقي ‏يا تمبوشة .. وقعدت في طرف العنقريب القديم جوار الحائط .. حومت عيوني في ‏الأشياء .. كانت كما هي كرسيها ذاك المنسوج من الحبال .. البنابر التي شهدت قعداتنا ‏‏.. الراكوبة القصيرة التي حشيت أطرافها بالملابس القديمة .. والتيس المربوط هناك ‏في الزريبة كان ما يزال يخش الأرض ويرمق الندامى بعينيه المحمرتين .. وتمشت ‏تمبوشة إلى داخل الحجرة لتأتي بالعرقي .. وتمشت وراءها عيوني .. كانت تمبوشة ‏كما رايتها أنت يا اسعد لأول مرة .. قامتها مديدة ...وهيطة .. رويانة .. يداها ‏مندوعتان .. بشرتها مثل لون البن المقلي بالسكر .. جلها ناعم .. لامع أملس كفركه ‏قرمصيص وتركزت نظراتي أخيرا قبل إن تغيب في داخل الحجرة فوق عجيزتها ‏المدملجة تماما يا اسعد .. تما ما يا اسعد مثلما كانت نظراتنا تلتقي جميعا في ذات ‏الموقع من جسدها قبل أربع سنوات حينما كنا نرتاد هذا المكان في الأمسيات .. ‏ كان يحلو لي وقتذاك وأنا أحس دملجة عجيزتها نشافا في حلقي .. أكولة في راحة ‏يدي .. ازديادا في إفراز العرق في جسدي ... كان يحلو لي أصوركم انتم (شلة ‏العقارب ) واحدا واحدا متلبسين في ذات الجريمة . ‏كنت أنت تتحسس بيديك طلائع الصلع المبكر الذي كان قد بدأ يغزو وقتذاك القطاع ‏الأمامي والأوسط من راسك .. عووضة التلب .. ينتف شعر شاربه بيد اليسرى شعره شعره . .. حامد يكف فجأة عن ‏فلسفة الأشياء ويتطاول بقامته القميئة من فوق البمبر .. اخو التومات يرشق في ‏جوفه كأسا من العرقي .. تأبط شرا يفتح ما تبقى من حقه التمباك .. ويفضحنا جميعا ‏التيس المربوط في الزريبة حينما ينتفض فجأة ويروح في نوبة لبلبلة متواصلة .. لب ‏لب لب . ‏ واختلط في حلقي طعم التبغ المر بطعم العرقي وطعم الملوحة في خشمي وتمازجت ‏الطعوم .. تجانست .. توحدت و أصبحت طعما واحدا .. هو طعم أخر يوم من ‏الأشهر الأخيرة .. وراحت الخمر تدب في عظامي تمشي .. تركض وتركض معها ‏هناك تلا فيف ذاكرتي .. تلكم الأمسية الرائعة التي حدثتكم عنها .. ‏آه آه .. أدخلت , أدخلت الدبلة في أصبع كفي اليمنى رويدا رويدا قالت لي ‏وملامحها الطفلة تترى عشقا وبوحا وبراح .. مبروووك ‏أأأخطبك ‏قلت لها وكفي تنوم في كفها .. خلاص اقتنعي يا إلطاف ‏شع ثغرها وأجابت : جدا .. جدا يا هاشم ‏ضغط كفها في رفق وحنين وقلت لها وان أتملأ عينيها الجميلتين : طيب أؤكد بأنني ‏لن اخرج هذه الدبلة من أصبعي حتى تستبدلينها من أصبعي أنتي يا إلطاف بالدبلة ‏الأصلية في يوم خطوبتنا . للقصة بقية تابعونا ................!

ولبلب التيس داخل الزريبة بلهاة شبقه لأفيق على صوت واهم مخمور ينم .. يجر ‏الدوباي في قلب الظلمة .. شيلوا الصبر ختو الأمر للهادي والمقدودة تب ما عدمت ‏الرفاي . ‏شخصت في الصوت بذاكرتي لاتبين ملامحه .. كان أشعثا اغبرا معفرا متعبا من ‏طول لج في الأيام والدنيا .. انه صوت عمك رمضان الذي يقبع هناك داخل الراكوبة ‏هيكلا من العظام والعرقي والتمباك والاحباطات .و خطر لي لأول وهلة إن أثب إليه ‏واقبضه من تلابيبه بكلتا يدي ... اصرخ في وجهه وانتهره .. كفى ... كفى .. فانت ‏تكذب .. تكذب حتى على نفسك .. كانت تلك الاجساد يا اسعد كل منها يعاني ‏احتضاره وجحيمه .. مزمل يشخر شخيرات متقطعة .. يفقيق .. يبصق .. ينشف كبده ‏بصوت من العرقي .. يدبغ شفتيه ولثته ولسانه بسفة من التمباك .. عبد الملك يحقن ‏عروقه بالسم الهاري .. يكح .. يسعل .. يمسك راسه بكلتا يديه .. يتفرس بعينيه ‏الضيقتين في الزمن .. وتمبوشة تستلقي بجلنبي فوق العنقريب المهلهل .. ‏زجاجة من عرقي التمر البكر .. شطة وحواحه .. فول حاجات .. وانا قاعد وقد فكت ‏من اعماقي سكره البارحه .. واعاني ايضا احتضار جحيمي .. في مسيس الحاجة ‏الان الى شراب جديد من نوع اخر لعله يكون اشهى وارخص وأمر شراب اتلمطه ‏في غبطه وقرف وتعاسة ولا افيق من سكرتي اطلاقا .. اكترعت الكأس الواحد ‏والعشرين ... انسل الى داخل جوفي كالفجيعة .. أوووف .. عرقي كافر .. بصقت .. ‏خرشت عود كبريت تراقص بصيص ضوئه في قلب العتمة مخمورا وتفرست ‏تمبوشة .. كانت تتوسد ساعدها الايمن ساقيها الممتلئتان مدتا في استرخا كسول .. ‏عجيزتها تتكوم هناك .. تترجرج هناك بين الفينة والفينة فوق مرق العنقريب .. ‏نظرت اليها .. بادلتني هي النظرة .. امسكت يدي وراحت تعابث اصابعي .. اصبعا ‏‏... اصبعا .. وانا امسح براحة يدي اليسر عنقها وخدها وجبينها .. فاجأتني بالسؤال ‏‏- الدبلة دهب ؟ ‏قلت لها سريع : لا ‏ضحكت وقالت : موضة قديمة .. اقلعها ! ‏وأنا أحس بالدبلة تسل رويدا رويدا من اصبعي .. ووحشة مشققة القدمين .. طويلة ‏الاظافر تجوس في دهاليز روحي .. اعتصرت يدها . فالتمع ثغرها البازنجاني عن ‏اسنان مفلجة بيضاء .. جاءني صوتها نقيا مقعرا صافيا يلسغ نغمة ممراحة : سنة ‏‏!! ‏ونحن في اول سلالم الصعود الى اسفل انبثقت فوضى في جوف الظلمة كالشعفوفة .. ‏صوت صفيحة ترتطم بشئ حاد .. سائل يندلق .. كرسي يتهاوى .. جسم ثقيل يرز ‏وينقر فوق الارض .. انتفضت تمبوشة واقفة .. تحفزت في قعدتي .. حدقنا سويا في ‏الظلام .. كان هناك كالعفنة في مركز الفوضى .. اسود كثيف الشعر ... محمر ‏العينيين .. يلبلب في صوت اخرش .. لبلب لبلب .‏ووب علي التيس انفك !! ‏قذفتها سريعا من فمها وجرت تحوشه ، وهي تستنجد بي ومزمل وعبد الملك وعمك ‏رمضان .. وثبنا .. تحلقنا حوله متحفزين .. تحفز هو الاخر .. رمقنا هو الاخر بنظرة ‏ملتهبة قاسية اطارت مافي رؤوسنا .. تلفت بجمجمه في عنجهية رهيبة .. يمنى ‏ويسرى ،.. تسلق الهواء برجليه الاماميتين .. نقر نقرتين .. قفز فوق العنقريب .. ‏نطح تمبوشة .. بطحها ارضا .. اندفع وهو يلبلب .. ارتطم بعمك رمضان وعبد الملك ‏يرتطم بخشم الباب الخسبي الضيق كأنما هو على موعد مسبق ليضاجع مراحا كاملا ‏للاغنام في الشارع .. ‏صديقي اسعد... ‏يبدو إن رسالتي اليك قد طالت ... لكن يؤسفني إن اقول لك بانني لم اتمكن من ‏الحضور اليكم في السعودية لاعمل معكم موظفا والملم – كما قلت لي في رسالتك ‏الرقيقة – قرش قرشين واكيد سوف تتلمس ماتبقى من شعر راسك .. تدخل يديك ‏في جيوبك تفتش عبثا عن حقة تمباكك .. تسالني وكرشك تختج بالضحك المتقطع : ‏شنو يا ابو الهشم يا اخي خلاص بديت تفكر بعقلية التيوس .. ‏عموما اختم هذا الموضوع في بيت تمبوشة ‏لك يا اسعد تحيات كل ناس امدرمان !!


الدوحة 22- 8 - 2006

السبت، 21 مارس 2009

الجنرال ..سكوت غراشن .. مبعوث اوباما للسودان ( سيرة مترجمة)


الجنرال سكوت غراشن Maj. Gen. Scott Gration ضابط متقاعد من سلاح الجو الأميركي ، وتم ترشيحه في يناير 2009 لرئاسة وكالة ناسا للفضاء، , الامر الذي يتطلب موافقة مجلس الشيوخ ، كان اول ظهور له كان ضمن فريق مستشاري الشؤون الخارجية للرئيس باراك اوباما ، وكان ناشطا خلال حملة الانتخابات الرئاسة الامريكية في نوفمبر 2008 ، وهذا الفريق شبهته صحيفة نيويورك تايمز بأنه بمثابة «وزارة خارجية مصغرة»، ويقول أوباما إن أول ما لفت نظره في غراشن هو معرفته بـ«قضايا لا حدود جغرافية لها»، مشيراً إلى قضايا حقوق الإنسان والطاقة والبيئة والتجارة الدولية" . غالبية مستشاري أوباما وحلقته الضيقة عاشوا سنوات طفولتهم أو مراهقتهم وشبابهم خارج أميركا، مثل رام إيمانويل، الذي عاش لسنوات في إسرائيل، لأنها مسقط رأس والديه. ومثل مستشار الأمن القومي الأميركي ، جيمس جونز الذي عاش في فرنسا أكثر سنوات طفولته، ومثل تيموثي جيثنير الذي كبر في زيمبابوي والهند وتايلاند,وفاليري غاريت، موضع سر وثقة أوباما وأحد أهم مستشاريه، ولدت في مدينة شيراز الإيرانية وقضت سنوات طفولتها الأولى في إيران عندما كان والدها الطبيب يعمل في مشروع بناء أول مستشفي حديث في المدينة. ولد وغراشن في الكونغو الديمقراطية لابوين عملا مبشرين في القارة السمراء ووفقا لمقال لنيوزويك نشر 2007، قضى غرشن طفولته في هذه البلد وعاش ازمته في الستينات حيث تم اجلاء اسرته ثلاث مرات حيث كانت لاجئة،وبعد عودته الى الولايات المتحدة درس في جامعة Rutgers University وحصل على بكالريوس الهندسة الميكانيكية،وبعدها انضم الى سلاح الجو الامريكي في عام 1974،ونال درجة الماجستير في دراسات الامن القومي في جامعة Georgetown University عام 1988 ،كما درس في كلية القادة للقوات المسلحة. ويتحدث اللغة السواحلية بطلاقة ،وتعرف على السيناتور- انذاك – باراك اوباما عام 2006 خلال رحلة الى افريقيا وزارا لاجئي دارفور في تشاد، ويتمتع بصداقة اوباما بعد انتخابه رئيسا ويستحوذ على اذنيه ، وكان دائما مايشاهد خلال الحملة الانتخابات الرئاسية العام الماضي . ويتمتع غراشن بخبرة عميقة في افريقيا وله علاقات شخصية ومهنية مع قادة بارزين. زيارته لافريقيا عام 2006 كانت جولة تقصي حقائق شملت خمس دول ولمدة 15 يوما،ووصفه اوباما بانه "خبير افريقي"، ومن جهته وصف غراشن ان اوباما بانه يتماع بـ "الموهبة والحكمة ، والشجاعة ، والخبرة ، والقدرة على القيادة ، وأننا في أمس الحاجة"، وعمل بجانب ريتشارد دينغز والجنرال ماكبيك .وغراشن من كبار مستشاري اوباما في الشؤون الخارجية والعسكرية حيث يتمتع بخبرة قتالية واسعة في الشرق الأوسط ، وشغل منصب قائد الفرقة الغربية خلال عملية حرية العراق. وله خبرة قتالية تشمل 274 من المهام القتالية في العراق ، مع 983 ساعة من القتال.ويتمتع بأكثر من 5000 ساعة طيران ، بما في ذلك أكثر من 2000 ساعة كمدرب طيار. تدرج غراشن في عدة رتب عسكرية حيث بدا في 24 يناير 1974 ملازم ثان -ملازم اول 24 يوليو 1976- نقيب 24 يوليو 1978 - رائد 1 مايو 1985مقدم 1 يناير 1988 -عقيد 1يناير 1995- عميد 1اكتوبر 1999- لواء 1 ابريل 2003.وسبق له أن شغل منصب زميل في البيت الابيض ، وقائد عمليات الجماعة و قائد جناح لمرتين وذلك قبل توليه منصبه الحالي ، وشغل منصب مساعد نائب وكيل والقوات الجوية للشؤون الدولية ، في مكتب وكيل والقوات الجوية ، مقر القوات الجوية الامريكية.وعمل مديرا للاستراتيجية والسياسات والتقييم ، في القيادة الامريكية الاوروبية شتوتغارت- فيمينغ بألمانيا ومديرا للاستراتيجية والخطط والسياسات العامة ، ومسؤولا عن إعادة التكوين وتوجيه الموظفين تجاه تنفيذ الاساسيات العسكرية والسياسية ، فضلا عن التخطيط لقيادة الأنشطة التي تنطوي على علاقات الولايات المتحدة مع غيرها من القيادة الموحدة ، المتحالفة مع الجيش والعسكرية الدولية والمنظمات التابعة لها والأوامر. كما يعمل مدير القدرات والتقييمات. وبهذه الصفة كان مسؤولا عن تطوير هيكل القوة متطلباتها وإجراء دراسات وتحليلات وتقييمات القوات العسكرية لتقييم الخطط والبرامج والاستراتيجيات.
>>>
تعليق:
اعتمدت كثير من وسائل الاعلام على هذه السيرة التي ترجمتها ونشرتها في سودانيز اونلاين 18 مارس وبثت بي بي سي تقريرا من مراسلها من واشنطن لقمان همام وتضمن معلومات عن خبرات غراشن العسكرية وطلعاته الجوية في العراق. فضلا عن وكالة السودان للانباء التي اوردته في نشرتها الخاصة، النشر تم بواسطة مراسل الوكالة في الدوحة (م.م) الذي مررت له ما نشرته في الشرق القطرية

الثلاثاء، 3 مارس 2009

بونايا قودانا.. غصن الزيتون لم يسقط !


بونايا قودانا.. غصن الزيتون لم يسقط!

قد يذكر الكثيرون الجنرال لازراس سامبويا ، الوسيط الكيني في سلام السودان ، الذي صلى من اجل اتفاقية السلام الشاملة ، وفي ذاكرتي ومفكرتي ، رجل أخر لعب دورا ، لا يقل عن دور سامبويا ، حيث وضع لبنة في محادثات السلام السودانية التي استضافتها عدة عواصم افريقية ، أديس أبابا ، نيروبي والتي شهدت الحدث التاريخي بتوقيع اتفاق السلام في 9 يناير 2005 والتي اسكت لعلعة الرصاص، كان وزيرا للخارجية ، وممثل كينيا في مبادرة الإيقاد بإعلان مبادئها المثير للجدل حيث رفضته الحكومة 1993 وعادت لتقبله 1994، قابلته أول مرة في الخرطوم التي استضافت اجتماعا للإيقاد 1998 ، تجمع الصحفيون حوله ، وباغته بالسؤال : أرجو أن توجز لنا ما دار في اجتماعكم ؟ كان رده سريعا : يمكنك أن تسال موظفا في سكرتارية الإيقاد فانا وزير خارجية كينيا ، وهنا التقطت إشارته ، فعدلت السؤال سريعا : أرجو أن تحدثنا عن الدور الكيني في عملية السلام ؟ وهنا تحدث الرجل وانفتحت شهيته للكلام ، وفي العرف الصحفي فان السؤال الافتتاحي ينبغي أن يكون مشجعا ومحفزا لأي مسئول ، تحدث للصحفيين باستفاضة ، وودعنا بابتسامة قائلا : نلتقي في كينيا !
التقيته مرة ثانيه حينما احتضنت نيروبي جولة مفاوضات 3 – 7 مايو 1998 ، والعاصمة الكينية مدينة جميلة وسياحية تغتسل بالمطر ، ومطارها فسيح ، وفي قاعة جومو كينياتا، ابرز معالمها ، جرت المفاوضات ،و التقيت الرجل فذكرته بوعده وطلبت منه اجراء حوار لصحيفة عربية تصدر في لندن وكنت أراسلها من الخرطوم ، فأومأ برأسه مرحبا بنا في بلده ،ولكن لم أتمكن من محاورته ، حيث كان مشغولا . وفي أديس أبابا ، وتحديدا في أغسطس 1998 ، جرت جولة أخرى من المفاوضات في منظمة الوحدة الأفريقية – آنذاك – ومبناها غاية في الروعة ، وأديس أبابا مدينة يسكنها الجمال ، وأهلها يكنون ودا للسودانيين ، التقيت الرجل للمرة الثالثة ، فتذكرني ، وتحدث لمرافقيه بأنه سيوفي بوعده للجلوس معي للحوار وقال : هذا الصحافي قابلته في الخرطوم وعقب الجلسة ألافتتاحيه ، جلسنا ودار حوارنا وتحدث عن السلام في السودان وأهميه استقراره كبلد كبير وما يجري فيه يؤثر في جيرانه .
هذا الرجل هو الدكتور بونايا قودانا ، وزير خارجية كينيا السابق 1998- 2001، تقلب في عدة مناصب في بلده ، كان ناشطا ومهموما بعملية السلام في السودان ، يحترم الصحافة ، مرتب الأفكار ، حديثه مباشر ومحددا وفي لب الموضوع بحكم خلفيته القانونية . جاءت سيرة الرجل خلال حديثي مع روزماري دبليو ندقاوا ، وكيلة وزارة الإعلام والاتصالات الكينية ، خلال مشاركتها في اجتماعات الجمعية العمومية للمنظمة الأفريقية للاتصالات "راسكوم" في الخرطوم 22- 25 أكتوبر 2007 ، حيث ذكرت لي أن قودانا قضى نحبه في حادث سقوط طائرة وكان في مهمة سلام داخل كينيا 2006 ، وكان ذلك مؤثرا ، وشاطرتها الأسف والعزاء ، وعددنا مناقب الرجل ، فقد كان محبا للسلام ، ورجل حمل غصن الزيتون في بلده ومن اجل السودان ومن أفريقيا ، وعاش من اجل المحبة والسلام ،وكانت أخر مهمة له من اجل السلام . وBonaya Adhir Godana - وهذا اسمه الكامل - ولد في 2 سبتمبر 1952 في دوكانا ، وتخرج بدرجة الماجستير في القانون في جامعة نيروبي 1967 ونال درجة الدكتواره في القانون الدولي من جامعة جنيف 1984 ، وانتخب لأول مرة نائبا في الجمعية الوطنية الكينية (البرلمان) 1992 ، ولقى مصرعه بتحطم طائرة تابعة لسلاح الطيران الكيني في 10 ابريل 2006 في مارسيت ، ومنذ 2002 وحتى وفاته كان نائبا لرئيس حزب كانو المعارض .فغصن الزيتون لم يسقط ، فقد أكمل الجنرال سمبويا مسيرة السلام الذي عم السودان .

حوار صحفي مع وزير الخارجية الاثيوبي


وزير الخارجية الإثيوبي في حديث خاص لـ "المستقلة":
سنكسر العمود الفقري للجيش الارتري إذا رفض الانسحاب السلمي من أراضينا
الزمن تغير والمطلوب أن نتوصل إلى اتفاقية جديدة لتقاسم مياه النيل
لدينا خلافات مع الخرطوم ونحاول حلها بالحوار
غير صحيح إننا سمحنا لقرنق بإقامة معسكرات داخل حدودنا
المبادرتان الرواندية والأمريكية لم تفشلا في حل النزاع بيننا واريتريا
أديس أبابا- خاص من موفد المستقلة- فيصل خالد:
خص سيوم مسفن وزير خارجية أثيوبيا"المستقلة" بحديث مهم على هامش مفاوضات السلام السودانية حول قضية جنوب السودان التي استضافتها أديس أبابا الأسبوع الماضي.وتطرق سيوم في حديثه لقضايا ذات اهتمام لافت للرأي العام العالمي والأفريقي بصفة خاصة سواء تعلق الأمر بمسالة مفاوضات الحكومة السودانية مع حركة التمرد ، أو تعلق الأمر بأخر تطورات الحرب الإثيوبية- الارترية.وبرغم انه شدد على الحل اسلمي إلا انه أكد حق بلاده أكثر من أي وقت مضى في استعادة أراضيها وأنها مستعدة لـ"كسر العمود الفقري للقوات الارترية المحتلة". وتطرق أيضا للعلاقات بين أديس أبابا والخرطوم التي قال بان المشاورات فيها جارية . وفيما يلي نص الحوار:
كيف تنظر لاستضافة اثيوبيا لجولة مباحثات السلام بين الحكومة السودانية ومتمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان وسبق ان استضافت محادثات في 1989؟
نعبر عن فخرنا في رعاية واستضافة مفاوضات السلام لاحلال السلام بجنوب السودان.وقد عبرت عن هذا الشعور في الجلسة الافتتاحية للمفاوضات التي تستضيفها اديس ابابا . ونعتقد ان عملية احلال السلام في الجنوب لاتهم السودان وحده وانما تهم اثيوبيا واقليم الايقاد،لان التوصل الى حل سلمي للمشكلة يحقق الاستقرار والامن وهذه قضايا مهمة للاقليم باكمله،خاصة وان اقليمنا يشهد في الفترة الاخيرة اراقة دماء وحروبا اهلية ونزاعات بين دوله.ولذلك تسعى اثيوبيا في اطار مبادرة الايقاد للاسهام في التوصل لحل سلمي لقضية النزاع في جنوب السودان في إطار مبادرة الايقاد التي جمعت بين طرفي النزاع في المفاوضات حول السلام.
توصلت الحكومة السودانية لاتفاقية سلام مع فصائل جنوبية ، فهل تعتقد إن هذه الخطوة ايجابية لتحقيق السلام ، وكيف تنظر لاعلان المبادئ كاساس لحل المشكلة؟
أي خطوة من طرفي النزاع مهمة لحل المشكلة سلميا ويمكن اتى تشكل الاتفاقية اساسا لحل المشكلة.وقد وضع إعلان المبادئ الذي قدمته الايقاد عام 1994 الاساس لحل المسالة وهو ما قبلته الحكومة السودانية وعلى اساسه جرت المفاوضات هذا العام بجولتين في نيروبي وفي اديس ابابا كجولة ثالثة ، ويتضمن الاعلان مبادئ لحل المشكلة من كافة جوانبها ، السياسية والاقتصادية والتاريخية،كما يتضمن حق شعب جنوب السودان في التعبير عن تطلعاته السياسية والادارية لوحدة السودان وفي تقرير مصيرهم من خلال استفتاء. ولذلك فمباحثات اديس ابابا مهمة، وينتظر ان تحرز تقدما لحل المشكلة سلميا وكما تعلم فان المحادذات بين الطرفين لم تستانف منذ عام 1994 إلا هذا العام 1998 في نيروبي في مايو الماضي ، وهنالك تقدم في قضايا الخلاف بين الطرفين ونركز جهودنا للتوصل الى لحل مشكلة جنوب السودان لان مسالة الحرب اصبحت تراجيدية ، وهنالك اوضاع مأساوية ولابد من ان يحدث كسر للجمود في المواقف واحراز تقدم في قضايا المفاوضات بين طرفي النزاع حتة نحقق سبلاما يحل المشكلة.
اعلنت الحكومة السودانية وقفا شاملا ودائما لاطلاق النار ، كيف تنظر لهذا الاعلان في اتجاه تسهيبل وصول المساعدات الانسانية للمتضررين من الحرب في بحر الغزال وفي مقاطعات اخرى من الجنوب،ونأمل من طرفي النزاع ان يولوا مسألة وقف إطلاق النار اهمية واولوية لانه يمثل الخطوة الصحيحة في اتجاه الحل السلمي ويمكن من اغاثة المتضررين ، وحتى نتمكن في الايقاد من التوصل لحل سلمي دائم وشامل لقضية الحرب في الجنوب التي بدات منذ استقلال السودان.
لكن ألا تعتقد إن الخلافات والنزاعات بين دول الايقاد نفسها، ومنها الصراع الاثيوبي- الاريتري ، يضعف مبادرة الايقاد لحل مشكلة الجنوب؟
اوافق على هذا الراي،واعتقد ان الخلافات بين دول الايقاد عامل سلبي،ويؤثر في العلاقات الثنائية،وفي الاستقرار في الاقليم،وكما قلت في كلمتي لافتتاح جولة المفاوضات ان اثيوبيا تهتم باستقرار العلاقات الثنائية بين دول الايقاد وان تتجه الجهود لتقليل وتضييق شقة الخلافات والعوامل السالبة في علاقات الدول حتى يتحقق السلام والاستقرار في اقليمنا،وهو ما نسعى اليه من خلال مبادرة الايقاد لحل مشكلة جنوب السودان ، وهي كما قلت تهم كل دول الاقليم وحلها لصالح الاستقرار والامن والتنمية في الاقليم كله.
نقل د. مصطفى عثمان اسماعيل وزير الخارجية السوداني رسالة من الرئيس عمر البشير الى الرئيس ملس زيناوي تتعلق بالعلاقات الثنائية وعملية السلام في السودان ، كيف تنظر لاثر هذه الرسالة في العلاقات بين البلدين؟
اتمنى وارغب ان تكون العلاقات بين البلدين حسنة،لاننا نؤمن بان تحسين العلاقات الثنائية مع دول الجوار مسالة حيوية ، ولا اخفي هنا على اشلعب السوداني او الشعب الاثيوبي او المجتمع الدولي خلافاتنا مع الحكومة السودانية التي ترجع اسبابها الى ان ارهابيين ارتكبوا جريمة في ارضنا وارقوا دما في بلدنا وهذا معلوم للحكومة السودانية ونريد ان نحل هذه المشكلة وان يتم التعاون بيننا في تسليم المتهمين في محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك.
ولكن بنفس القدر ان واحدا من اسباب الخلاف مساعدتكم للمتمردين واستخدام اراضيكم للاستيلاء على مدينتي الكرمك وقيسان؟
ليس صحيحا اننا نساعد وندعم المتمردين السودان، لان اثيوبيا لا تتدخل في الشؤون الداخلية للسودان،وهو مبدامع كل دول الجوار،وسيساة واضحة وقاطعة لاثيوبيا،اننا لا نتدخل ونراعي مسالة الاستقرار والسلام في المنطقة،ونرى ان اثيوبيا ينبغي ان تكون جزء ا من الحل لقضية الحرب الاهلية في السودان وليس طرفا في المشكلة.
ولكن احتلال الكرمك وقسشان تم باستخدام الاراضي الاثيوبية؟
اؤكد اننا لا ندعم متمردي السودانويمكن للحكومة السودانية ان ترسل وفودها لتتاكد بنفسها هل لدينا معسكرات للمتمردين في اراضينا ونحن على استعداد لاستقبال فريق سوداني للتاكد.ان اثيوبيا لا تدعم المتمردين او ان هناك معسكرات عسكرية داخل الاراضي الاثيوبية.
هل هناك حاليا أي اتصالات جارية بين اديس ابابا والخرطوم لتطبيع العلاقة او أي مبادرة لتحسين العلاقات الثنائية؟
نحن نقوم بدورنا في العلاقات الدبلوماسية،ولم نقطع علاقاتنا الدبلوماسية مع السودان،والاتصالات مفتوحةبيننا ولانخفي شعورنا او خلافاتنا مع الحكومة السودانية،وهذا هو الطريق السليم لتطبيع العلاقات وهناك قضايا تناقش مباشرة والان نحن في حوار وكما ذكرت ان مشكلتنا مع الحكومة السودانية واحدة تتعلق بتسليم ارهابيين.
ولكن كيف تطالب اثيوبيا بمتهمين غير موجودين في الاراضي السودانية؟
سمعنا ذلك ولكن لم يكن مقنعا كل ما نطالب به تسليم الارهابيين.
لننتقل الى الحرب بينكم واريتريا ، يرى مراقبون ان الوساطتين الامريكية والرواندية قد فشلتا في حل النزاع ، فالى اين تتجه الامور الان؟
لا اعتقد ان المبادرتين الراوندية والامريكية فشلتا لان منظمة الوحدة الافريقية دعمت توصيات المبادرتين وتحث الطرفين على التوصل الى حل سلمي للنزاع المسلح ، ولديهما توصيات بناءة ، وايضا مجلس الامن الدولي دعم قررات منظمة الوحدة الافريقية وهنالك لجنة في إطار تلك الجهود لحل المشكلة واعتقد ان المبادرتين مستمرتان وتهتم اثيوبيا بمبادرة منظمة الوحدة الافريقية وتوصيات المبادرتين الراوندية والامريكية.
إذنن ما هي وجهة النظر الاثيوبية باختصار لحل النزاع مع اريتريا؟
اوجز ردي في النقاط التالية لحل النزاع :
1- ا تسحب اريتريا قواتها من الاراضي الاثيوبية التي تحتلها.
2- الموافقة على تحديد وترسيم الحدود المشتركة على اساس الاتفاقيات الموروثة منذ الاستعمار والقانون الدولي واستنادا على تلك الاتفاقيات.
3- نزع السلاح من المناطق في الحدود المشتركة للسماح بتحديد وترسيم الحدود التي تم اخذها في تلك الاجواء من النزاع.
4- ان تسحب اريتريا قواتها حتى يمكن التوصل لحل سلمي.
ولكن اريتريا تدعو لانسحاب متساو من المناطق التي فيها نزاع ونزع السلاح ووجود قوات حفظ سلام دولية؟
هذا غير ممكن، لان اريتريا لايمكن لها ان تمضي في عدوانها اطلاقا،لان العدوان شئ والنزاع على الحدود شئ اخر،ونحن لا نتحدث عن الصراع الحدودي بين البلدين،ولكن نتحدث عن عدوان ضدنا من اريتريا وهذه جريمة ينبغي ان تنتهي واولى باريتريا ان تتحدث عن حل سلمي لا ان تستمر في عدوانها واوكد ان اثيوبيا مستعدة اكثر من ذي قبل لكسر العمود الفقري للقوات الارترية المحتلة لاراضينا.
يواجه العالم باسره ، ودول افريقيا، مشكلة نقص المياه ، فكيف تنظر الى هذه القضية، وخاصة ان اثيوبيا تواجه انتقادات من دول المنطقة ومنها مصر بانهاتسعى لتغيير واقع تنظيم استخدام مياه النيل؟
اصبحت المياه قضية مهمة في العالم اليوم،وخلافنا اوحيد مع الذين يريدون استخدام مياه النيل على اساس احتكاري،فهذا غير مقبول لان الزمن تغير وان المنافع من الياه ينبغي ان تتغير وتكون عادلة.ورؤية اثيوبيا تقول اننا لانريد استخدام مياه النيل على حساب الاخرين،ولكن نريد التوصل لاتفاقية جديدة لدول حوض النيل تراعي كل مصالح دول الحوض على اساس المساواة وتكون مقبولة للجميع لان الاحتكار غير عادل ولا يراعي مصالح لدول وينبغي ان تتغير الاتفاقيات الموجودة.
ترى مصر ان اثيوبيا تقوم ببناء مشاريع للمياه وإنشاء سدود في اتجاه استخدام اكبر للموارد دون مراعاة مصالح دول الحوض الاخرى؟
ليس صحيحا اننا نبني سدودا ، هنالم مشاريع وينبغي ان نستخدم مياهنا للطاقة والري ولك ان تتصور ان اثيوبيا تستخدم 1% من مواردها،ولايمكن ان ينكر الناس لاثيوبيا حقها في استخدام مواردها ، ان اثيوبيا تدعو الاطراف المعنية للجلوس للتوصل لتفاهم مشترك حول الاستخدام العادل لموارد مياه النيل.
اخيرا ، كيف تنظر للاوضاع الداخلية لاثيوبيا بين القوميات الاثوبية والمجموهات العرقية وممارسة الديمقراطية؟
الاوضاع مستقرةن لان الديمقراطية تقوم على اساس ممارسة الشعب للسلطة فلكل قومية حق الحكم الذاتي وتحكم بنفسها وممارسة الادارة سياسيا وقتضاديا واجتماعيا ، لقد اصبحت اثيوبيا اليوم موحدة اكثر من ذي قبل وتقوم هذه الوحدة طوعيا وليس على اساس القهر ، وحدة تعززها المصالح المشتركة في الوطن.

نشرته المستقلة الصادرة في لندن 10 اغسطس 1998

الاثنين، 2 مارس 2009

ثورة الانفوميديا.. نبوءة فرح ودتكتوك !

الحقيبة الالكترونية.. ثورة في نقل الرسائل الدبلوماسية
قديما، تنبأ الشاعر العربي طرفة بن العبد بثورة الوسائط المعلوماتية"Infomedia Revolution"
حينما قال:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
ويأتيك بالإنباء من لم تزود
وفي عصرنا الحديث ، بات الناس يستشعرون قدرات التكنولوجيا الجديدة،وهم يدركون تماما إن الكمبيوترات الأصغر حجما،والأكثر سرعة المرتبطة بطريق المعلومات فائق السرعة والمتخم بالمعلومات ،سيكون لها تأثير عميق في أساليب عملنا وحياتنا نفسها،ومثل هذه الثورة ، التي تنبأ بها طرفة بن العبد،نتأثر بها على المستوى الشخصي،وتثير قضايا جديدة في مجالات متعددة،كما تغير من أسلوب حياتنا اليومي، والأسلوب الذي نتعامل به مع الآخرين.وسبق الشيخ فرح ودتكتوك ، حلال المشبوك،الشاعر طرفة بن العبد في نبوءته حينما قال :"سيأتي زمن يكون فيه الكلام بالخيوط والسفر بالبيوت".
شهد البريد تطورا مذهلا، فمن عصر الحمام الزاجل والدواب انتقلنا عصر الكمبيوتر في إرسال الرسائل بكبسة"زر"حيث بات الرسالة الالكترونية e-mail هي الأسرع والأقل تكلفة. وفي مجال الدبلوماسية تغير نمط الحقيبة الدبلوماسية التقليدي ، والتي تماثل الطرود البريدية،واتجهت الدول إلى استخدام التقنية الحديثة وربط سفارتها في الخارج بشبكة الكترونية لتبادل الرسائل الدبلوماسية،والحقيبة الدبلوماسية التقليدية يتولى أمرها القسم القنصلي في وزارت الخارجية،وتنقل عبر وسائل النقل المعروفة برا وجوا،وقد ينقلها رسول في حال أهميتها وسريتها حيث تكون حرمة الحقيبة الدبلوماسية ومن يحملها مصونة.
أدخلت مصر تغييرا جوهريا في الحقيبة الدبلوماسية التقليدية،إذ استعاضت عنها بشبكة الكترونية تربط سفارتها في الخارج،وباتت ترسل رسائلها عن طريق هذه الشبكة،وهو ما يمكن أن نسميه مجازا"الحقيبة الالكترونية"،وذلك عن طريق الايميل e-mail أو شفرة code. وطبقا لاتفاقية فيبنا للعلاقات الدبلوماسية، فإن حرمة محفوظات أي بعثة دبلوماسية "سفارة" مصونة دائما ولديها حرية الاتصال لجميع الإغراض الرسمية، ويجوز لها أن تستخدم جميع الوسائل المناسبة، بما في ذلك الرسل الدبلوماسيين،والرسائل المرسلة بالرمز أو الشفرة،ومع ذلك لا يجوز للبعثة تركيب واستخدام جهازارسال لاسلكي إلا برضا الدولة المعتمدة لديها.كما لايجوز فتح الحقيبة الدبلوماسية "التقليدية" أو حجزها، وتقوم الدول بحماية الرسول الدبلوماسي ، الذي يتمتع بالحصانة،ولكن مع تطور الوسائط المعلوماتية واستخدام "الحقيبة الالكترونية"فإن التحدي الذي يواجه الجميع هو كيفية حماية الشبكات ، والرسائل السرية،والشفرات،من الاختراق أو التخريب المتعمد أو التدمير بهجوم،وسبق أن اخترق هاو شبكة وزارة الدفاع الاميريكية"البنتاغون"!
جملة القول،سيأتي عصر الانفوميديا بتغييرين أساسيين،حيث ستدخل الكمبيوترات البيوت بصورة متنوعة يصعب حصرها،ويصبح البيت في بؤرة اهتمام صناعات الحوسبة والاتصال، أما التغيير الثاني هو : تبدل النماذج الشاملة للمشاريع وسيؤدي هذا العصر إلى تثوير المال والأعمال ، وابرز سمات ذلك تغيير الأنماط التقليدية حيث تكون هناك مصارف بلا صرافين،وتحل "البطاقات الذكية "smartcards محل النقود الورقية،
وتثوير العمل الرسمي بما يعرف ب"الحكومة الالكترونية "e-government حيث تصبح الوزارات بلا زيارات أو صفوف، وتنجز المعاملات عبر الكمبيوترات بعيدا عن تعقيد الروتين الحكومي،كسبا للوقت وتفعيلا للأداء .

الأربعاء، 25 فبراير 2009

مُعَلَّقَاً بِخُيُوطِ الشَّمْسِ الغَارِبَةِ .. مَضَى! بقلم: كمال الجزولي (منقول)

مُعَلَّقَاً بِخُيُوطِ الشَّمْسِ الغَارِبَةِ .. مَضَى! بقلم: كمال الجزولي
"الحياة يا محيميد ما فيها غير حاجتين اتنين .. الصداقة والمحبة"! ود الرَّوَّاس (بندر شاه: مريود، ص 37 ـ 38) (1) في الثامنة من مساء الثلاثاء 17/2/09 قرَّر محمود صالح، الصديق الصدوق للطيِّب صالح، والذي بقي ملازماً له في رقدته الأخيرة، مثلما في كلِّ أوقات مرضه العصيبة خلال الفترة الماضية، أن يتوجَّه من مستشفى سانت هيلير في ضاحية ميرتون، بجوار ويمبلدون جنوب غرب العاصمة البريطانيَّة، حيث يرقد الطيِّب بعنبر هاري سيكوم لغسيل الكلى، إلى شقة إبنه الكائنة بناحية المطار غربيَّ لندن، كي يأخذ قسطاً من الراحة، يعود بعدها ليبقى قريباً من خدن روحه. لكنه ما كاد يبلغ الشقة، ولم تكن قد مضت على مغادرته المستشفى سوى أقل من ساعتين هي مسافة الطريق الزَّمنيَّة، حتى رنَّت نغمة جواله تنقل إليه الفاجعة:ـ "عُد فوراً. حالة الطيِّب تردَّت، فجأة، إلى أدنى درجة"!........................................................ظلَّ الطيِّب، طوال السنوات الماضية، في صراع يشتدُّ ويخفت، ليشتدَّ مجدَّداً، مع الداء الوبيل الذي أصاب كليتيه. وفي الأثناء ظلَّ يتردَّد على الأطباء بين لندن والقاهرة، أملاً في وصفة تستبعد مخايل عمليَّة نقل الكليَّة التي كان من رأي بعضهم ألا بديل عنها. ومع الأيام تكاثر، للأسف، أصحاب هذا الرأي من الاختصاصيين هنا وهناك، حتى صاروا أغلبية عظمى. فبدأ مشوار المعاناة في البحث عن مانح متطوِّع ملائم، وفي المفاضلة بين بلد وبلد، وبين مستشفى ومستشفى، وبين جرَّاح وجرَّاح. أخيراً وُجد المانح، وهو شاب من كوستي أصرَّ على عدم ذكر اسمه، فأدخِل مع الطيِّب مستشفى ميديكال كير الخاص بدُبَي، في فبراير 2008م، حيث تقرَّر إجراء العمليَّة هناك على يد الجرَّاح السوداني الكبير كمال ابو سن. سوى أن الفحوصات التحضيريَّة ما لبثت أن كشفت، للأسف، عن ضيق في أحد شرايين الطيِّب التاجيَّة، نتيجة إدمانه التدخين أغلب سنوات عمره، مِمَّا استلزم وضع دُعَامة في الشريان المعطوب لتوسيع مجرى الدَّم، مثلما استلزم تأجيل العمليَّة، ضربة لازب، لسنتين على الأقل!عاد الطيِّب إلى لندن ليواظب على الغسيل ويحاول التعايش معه. لكنَّ ارتخاءً مفاجئاً وقع في الدُّعَامة، بعد ما لا يزيد عن الخمسة أشهر من وضعها في الشريان، مِمَّا استدعى نقله، على عجل، إلى مستشفى برومتون التخصُّصي لأمراض القلب، حيث أجريت له، في يوليو، عمليَّة أخرى لاستبدالها. غير أنه أصيب، عقب العمليَّة، بجلطة في الدماغ أدخلته في حالة تنويم استمرَّت لثلاثة أشهر قضاها بغرفة العناية المركَّزة!في نوفمبر أفاق تماماً، وبمستوى أشاع التفاؤل في نفوس أطبائه وأسرته وأصدقائه، فتمَّ نقله إلى مستشفى سانت هيلير القريبة من مسكنه، ليبقى تحت العناية الاعتياديَّة، والمداومة الروتينيَّة على الغسيل ثلاث مرَّات في الأسبوع. وبالفعل بدا، خلال الشهرين التاليين، أنه قد استعاد شهيَّته للطعام، وللقراءة، وللمؤانسة، وأن صحته، بوجه عام، آخذة في التحسُّن، حتى أنه شرع في ممارسة رياضة المشي والتمارين على الدَّرَّاجة الثابتة. لكن حالته انتكست، فجأة، للأسف، مع خواتيم يناير المنصرم، فدخل في إغماءة أخرى. ورغم كلِّ ما بذل الأطباء من جهد، إلا أن خط التدهور العام في صحَّته راح يواصل انحداره بسرعة متزايدة، يوماً عن يوم، وساعة بعد ساعة، حتى أسلم روحه الطاهرة لبارئها قبل ساعتين من منتصف تلك الليلة الشتائيَّة التي ما انفكَّت ريحها تعول .. ويب .. ويب .. ويب!........................................................ قابلته آخر مرَّة قبل عامين. كان في إحدى زياراته إلى القاهرة، وكنت هناك بالمصادفة. إلتقينا على مأدبة غداء بشقة محمود، مع لفيف من أصدقائه وندمائه السودانيين والمصريين، وكان فيهم الشاعر صلاح أحمد محمد صالح، والشاعر الياس فتح الرحمن، والكاتب حسن ابَّشر الطيِّب، والصحفي مرتضى الغالي، والكاتب المصري المتخصِّص في أدب الأطفال محمود سالم، والكاتب والمترجم المصري عبد الرحيم الرفاعي، صديقه المقيم، حالياً، مع أسرته بجنيف، والذي زامله، لسنوات طوال، بهيئة الإذاعة البريطانيَّة، والذي يحرص على مرافقته إلى القاهرة كلما نزل إليها، وآخرين. كانت الجلسة ودودة، ومحفوفة بكرم أسرة محمود الفياض. وكان الأنس شائقاً تتخلله، كالعادة، لمعاً من القفشات المصريَّة. لكنَّ الطيِّب كان بادي الهزال والإعياء والرهق والهمِّ، ولا يكاد ينبس ببنت شفة، بل لم يكن نادراً ما يدع رأسه يتكئ على كتفه، ويدخل في نوبات إغفاء متقطعة، كلما غافل العيون المشتاقة، وكلما انزلق الكلام بعيداً عنه! وعندما نهضنا إلى المائدة الدسمة لمحت إناءين كبيرين فاخرين يتوسَّطانها، في أحدهما (أم رقيقة)، وفي الآخر (ملوخيَّة مفروكة). تذكَّرت، على الفور، ليلة سهرنا، الياس وشقيقي محمد وشخصي، قبل سنوات طوال، في شقة الطيِّب بالقاهرة، ذات شتاء قارس لبرده أزيز في الحنايا، ولصقيعه عضَّة في العظام، برفقة أصدقائه محمود صالح وحسن ابشر وعبد الرحمن سعيد والسِّر قدور وعمر يوسف، ثمَّ تعشينا، آخر الليل، على مزاجه الموغل في سودانيَّته، بـ (مُلاح وَرَق) كان أحضره له، بناء على طلبه المخصوص، صديقه حسن ابشر الذي كان يقيم، وقتها، مع أسرته هناك. قلت أداعبه بتلك الذكرى، عساه يخرج من حالة الصمت والكآبة التي تغمره. لكنه اكتفى بابتسامة كابية، وبدا كما لو لم يسمعني جيِّداً، مثلما بدا فاقداً الشهيَّة، لا للكلام، فحسب، وإنما للطعام أيضاً .. حتى السوداني الذي يفضله من بين أطعمة العالمين، رغم أنه لا يأكل، في العادة، إلا قليلاً، لكنه يبتهج لمرآه على المائدة، مثلما يبتهج لمرأى كلِّ شئ سوداني! أوَّل المساء أوصلناه، الياس ومرتضى وشخصي، بعربة الياس، وكان نائماً تقريباً، إلى حيث يقيم بالشقة التي كان يؤثرها على ما عداها، كلما زار القاهرة، والكائنة في البناية رقم 34 بالمهندسين ـ شارع جامعة الدول العربيَّة، وكنت سمعته، مرَّة، يتحدَّث عن رغبته في شرائها، لكنني لا أعلم إن كان فعل أم لا. أيقظناه، فترجَّل بصعوبة، وودَّعنا. لكنَّ إحساس قلق غامض ما لبث أن اجتاح ثلاثتنا، ونحن نبصره يعبر الرصيف، بخطو متثاقل، إلى مدخل العمارة، محاولاً أن يتفادى ثلة من الصبية كانوا يتسابقون بدرَّاجات رياضيَّة ملوَّنة. مع ذلك رأيناه يتمكَّث قليلاً، قبل أن يدلف، ليردَّ تحيَّة البوَّاب وزوجته وعيالهما، وقد هبُّوا ، لاستقباله خفافاً، ثمَّ يدخل يده في جيب جاكتته الداخلي يوزِّع على الأطفال ما تيسَّر. ........................................................نفس هذا البوَّاب كان سألنا، عندما جئنا، الياس وشقيقي محمد وشخصي، نلبي دعوة الطيِّب في تلك الليلة الصقيعيَّة قبل سنوات طوال:ـ "مين الراجل الطيِّب ده؟! أنا بشوف صورو في الجرانين، وبيجي عندو باشوات ياما .. ده باين عليه باشا حقيقي"؟! ـ "أيوه .. ده راجل مشهور قوي في العالم كلو .. إنت بتعرف نجيب محفوظ يا حاج؟! أهو ده بقى زي نجيب محفوظ"؟!ـ "بس هوَّ يا بيه، الله يجبر بخاطرو، بيقعد معانا عالدكَّة هنا، وبياخد ويدِّي معانا في الكلام، وساعات كمان بيشرب معانا الشاي الكشري اللي بتعملهولو الوليَّة مراتي"!خطرت لي، لحظتها، خاطرة كاريكاتيريَّة غاية في الطرافة: الرِّوائي الكبير الذي صُنفت روايته (موسم الهجرة إلى الشمال) ضمن أفضل مائة عمل أدبي في التاريخ البشري، والذي تتهافت كبريات دور النشر العالميَة على نشر أعماله بملايين النسخ، وبما يربو على الستين لغة حيَّة، ليطالعها الناس في القارَّات كلها، وتدرَّس في أعرق الجامعات، ويضع طلاب الدِّراسات العليا بحوثهم حولها ليحصلوا على درجات الدكتوراه والماجستير، وتتردَّد أسماء أبطاله في أركان الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، يقيم، في تلك الساعة، في شقة بسيطة بالقاهرة، يسهر مع الأصدقاء على سمر رائق، ويقدِّم لهم طعام السودانيين على العشاء؛ وفي الصباح، على حين تتبارى جميع المؤسَّسات الصحفيَّة والثقافيَّة على لفت انتباهه إليها، ويتسابق كلُّ المبدعين والنقاد، كبارهم قبل صغارهم، على الفوز بموعد للقائه، يروق له هو أن يجلس على (دكَّة) في مدخل عمارة ليتآنس ويشرب (الشاي الكشري) مع أسرة بوَّاب من عامَّة الناس! إلتفتُّ إلى الحاج قائلاً:ـ "آه .. طبعو كده، أصل هوَّ راجل حكيم، ومتواضع قوي .. وضارب الدنيا صرمة كمان"! فانطلقت زوجة الحاج تلهج بدعوات من القلب: ـ "إلهي يارب ينوِّلو اللي في مرادو، ويديلو الصِّحَّة وطولة العمرويزيدو كمان وكمان"!........................................................ما كاد محمود يغلق جوَّاله، حتى عدل عن دخول شقة إبنه وهي على مرمى حجر، ليخفَّ راجعاً، من فوره، إلى المستشفى، برغم الإرهاق الذي قشعه عن جسده، فجأة، قلق مزلزل! وصل المستشفى عند منتصف الليل. دلف إلى المبنى راكضاً، وقذف بنفسه داخل العنبر، يحدوه بصيص أمل في أن يجد الحالة قد تحسَّنت شيئاً. كانت هناك زوجة صديقه الاسكتلنديَّة جولي وبنتاهما سارة وسميرة يجهشن ببكاء حار. أما الإبنة الثالثة زينب، المقيمة، مع زوجها وأطفالها، في ألمانيا، فقد غادرتها على عجل في طريقها إليهم، لكنها لم تصل بعد. وأما بشير، شقيق صديقه، فقد كان، ساعتها، بين السماء والأرض، نهباً لقلق عاصف، حيث كانت طائرته ما تزال تقطع المسافة بين الدوحة، مقرِّ عمله، وبين لندن. وأما صديقه نفسه فقد كان مسجى على السرير الأبيض بلا حراك، تغمره المحارم الطبيَّة والسكينة الأبديَّة .. كان الأديب العظيم والإنسان النادر قد ودَّع الحياة والأحياء في تمام العاشرة من ذلك المساء الصقيعي الحزين! (2)ـ "كذابة المرة التقول ولدت مثل محجوب ود جبر الدار"! ود الروَّاس (بندر شاه: مريود، ص 39)في يوليو عام 1929م ولد الطيِّب بكرمكول لعائلتين؛ إحداهما، وهي عائلة مشاوي، تنتمي إلى البديريَّة الدهمشيَّة من جهة أبيه محمد صالح، والأخرى، وهي عائلة زكريا، تنتمي إلى الركابيَّة من جهة أمِّه عائشة حمودة.قضى الطيِّب طفولته الباكرة، هو وشقيقته علويَّة وشقيقهما الأصغر بشير، في كرمكول، حيث درس الكتاب. ولمَّا كان الفقر حالة عامَّة فاشية في كلِّ أنحاء السودان على أيام الاستعمار البريطاني، والناس ما ينفكُّون يرتحلون من الأرياف إلى المدن الكبيرة سعياً وراء الرزق الأوفر لأسرهم، والتعليم الأفضل لأبنائهم، فقد ارتحل والد الطيِّب، أيضاً، بأسرته، عام 1940م، من عمق مزارع الشمال، إلى ميناء بورسودان على ساحل البحر الأحمر. في مدرسة بورسودان الأميريَّة درس الطيِّب المرحلة الوسطى. ويروي عنه قريبه الأستاذ الصحفي عماد الدين أبو شامة أنه لم يكن يستنكف، خلال تلك السنوات، أن يعمل، أثناء العطلات، كبائع خُضَر متجوِّل في أزقة (ديم مدينة) ينادي على البصل والفجل والليمون، كي يخفف من أعباء مصروفاته عن كاهل والده. ولشغفه بالاطلاع فإنه كثيراً ما كان يغشى مكتبة كبيرة بسوق بورسودان، فإذا ما أعجبه كتاب، ولم يكن يملك ثمنه في العادة، قرأه بأكمله داخل المكتبة نفسها، خلال بضعة أيام، واقفاً، في كلِّ مرَّة، يتظاهر بالبحث عن كتاب ما (أجراس الحريَّة، 22/2/09). إجتاز الطيِّب المرحلة الوسطى، ونجح، عام 1944م، ضمن مائة وثلاثين تلميذاً فقط من جملة خمسمائة من كل أنحاء السودان، في الالتحاق بكليَّة غردون لدراسة الثانوي. لكنَّ الكليَّة ما لبثت أن خُصِّصت، عام 1946م، للمدارس العليا (الجامعيَّة)، فتوزَّع طلابها إلى مدرستين ثانويَّتين، حنتوب ووادي سيدنا، وكانت الأخيرة من نصيب الطيِّب، ثمَّ أنشئت خور طقت لاحقاً. هكذا أكمل الطيِّب دراسته الثانويَّة بوادي سيدنا، عام 1948م، وجلس لامتحان الشهادة السودانيَّة (كيمبردج)، فنجح في الالتحاق بمدرسة العلوم لدراسة الزراعة في الكليَّة بوضعها الجامعي الجديد. لكنه سرعان ما هجرها بعد عام واحد، لسبب غير معلوم، وإن كان الظنُّ الغالب أنه لم يكن، أصلاً، راغباً في ذلك التخصُّص. وما زال أبناء دفعته، حتى الآن، محتارين في سبب اختياره، منذ البداية، لمدرسة العلوم، مع أن مدرسة الآداب كانت تعتبر مكانه الطبيعي، خصوصاً وقد كان النجم الأدبي الأسطع المدرسة الثانويَّة، وسكرتير جمعيَّتها الأدبيَّة الدائم لا ينازعه في ذلك أحد! عقب مغادرته الكليَّة التحق الطيِّب بالعمل معلماً بمدرسة رفاعة الوسطى لمدة عام آخر انتقل بعده، في 1949م، إلى بخت الرضا لمدة سنتين. ومع نهايتهما تصادف أن أعلن القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانيَّة عن حاجته لمذيعين، فتقدَّم، واختير، وسافر إلى لندن عام 1952م، وعمره لم يتجاوز، بعد، الثالثة والعشرين. في لندن أتيحت للطيِّب الشاب فرص واسعة لإشباع طموحاته الإبداعيَّة، من خلال مواظبته على تثقيف الذات، وتجويده مهنة الإعلام، وانفتاحه على الدنيا الجديدة، فأبدى كفاءة مشهودة في تقديم البرامج الأدبيَّة والثقافيَّة، وفي ترجمة وتحرير وإعداد المواد الإذاعيَّة، وسرعان ما ارتقى، خلال السنوات التالية، إلى منصب مدير قسم الدراما، وتزوَّج من زميلته بالهيئة، واتسعت دائرة صداقاته وعلاقاته المهنيَّة والإنسانيَّة، يعينه في ذلك طبع ليِّن، وخلق دمث، وقلب حان، وذوق رفيع، حيث ظلَّ مبدأه الأسمى هو (المحبَّة والصداقة)؛ حتى النقد كان يرى أفضله ما صدر عن محبَّة. على أن السَّرد، إبداعاً وإحساناً وتجويداً، ظلَّ هو أكبَّر همِّ الطيِّب، وشغله الشاغل الذي منحه، على قلة إنتاجه من الناحية الكمِّيَّة، جُلَّ وقته وعافيته، فكافأه بالمقابل مجداً وصيتاً ما بعدهما مجد أو صيت، حيث حاز على الكثير من الشهادات الفخريَّة والجوائز والأوسمة من مختلف البلدان؛ وتمَّ تتويجه، عام 1976م، باعتباره (عبقري الرواية العربيَّة)، وقد أصدر عدد كبير من الباحثين المتخصِّصين كتاباً في بيروت بذات العنوان، تناولوا فيه لغته وعالمه الروائي، بكلِّ أبعاده وإشكالاته؛ كما تمَّ ترشيحه، ثلاث مرَّات لجائزة نوبل العالميَّة: الأولى، بصفة غير رسميَّة، من جانب نجيب محفوظ، يوم أبلغوه بفوزه بها، فقال: كنت أتوقع أن تمنح للطيِّب صالح! والثانية، بصفة رسميَّة، عام 2007م، من جانب البروفيسير عامي إلعاد ـ بوسقيلة، أستاذ الأدب العربي بكليَّة بيت بيرل؛ والثالثة، بصفة رسميَّة أيضاً، في يناير عام 2009م، قبل شهر من وفاته، من جانب مؤسَّستين سودانيَّتين هما إتحاد الكتاب السودانيين ومركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان؛ والمعلوم أن الأخير يدير، منذ سنوات طوال، برنامج (جائزة الطيِّب صالح للرواية في السودان). لقد استطاع الطيِّب، خلال سنوات وجيزة بمعيار الإنجاز، أن يصل بأهمِّ أعماله، وكلها مترجمة في معظم اللغات الحيَّة، إلى مصاف العالميَّة، وأن يحفر اسمه عميقاً في لوح الخالدين، وأن يمنح وطنه رمزاً آخر، ومواطنيه هويَّة إضافيَّة هي أنهم (مواطنو الطيِّب صالح)!(3)لم يقتصر عمل الطيِّب على السَّرد، وإن كان هو الأهمُّ في حياته المهنيَّة، أو على هيئة الإذاعة البريطانيَّة، فحسب، بل لقد عاد إلى بلده عام 1967م مستشاراً للإذاعة السودانيَّة لمدَّة عام. وانتقل إلى دولة قطر، وكيلاً ومشرفاً على أجهزة إعلامها سنين عدداً. ثمَّ عمل مديراً إقليمياً لمنظمة اليونسكو بباريس، ثمَّ ممثلاً لها بدول الخليج. كما عمل كاتباً صحفياً لعمود (وراء الأفق) الشهير بمجلة (المجلة) اللندنيَّة، لأكثر من عقد من الزمن. وفي الأثناء حصل على عدة شهادة أكاديميَّة، من بينها شهادة في الشئون الدوليَّة من بريطانيا. (4)بدأت معرفتي بالطيِّب صالح الأديب وأنا، بعد، طالب بالثانوي، من خلال (موسم الهجرة)، عندما نشرت، لأوَّل مرَّة، بمجلة (حوار) البيروتيَّة، نحو منتصف ستينات القرن الماضي. كانت شيئاً صاعقاً يكاد لا يصدق، كأن من كتبها ليس من جنس البشر! أعدت قراءتها مرَّات ومرَّات، وما زلت، منذ ذلك الوقت الباكر، أعود إليها، بين الحين والآخر، في مختلف الطبعات، وأتسقط كلَّ ما يكتب النقاد والدارسون عنها، وعن جماليات الطيِّب عموماً، دون أن أزعم أنني ارتويت تماماً مِمَّا تمنح من متعة وفائدة معاً. ولا غرو، فإن تلك السرديَّة المركبَّة شديدة التعقيد هي، في رأيي، مفتاح (باب السِّر) إلى عالم الطيِّب السردي كله، حسبما ظللت أتتبَّعه بلهفة وشغف، عملاً وراء عمل، من (عُرس الزين) إلى (دومة ود حامد) إلى (نخلة على الجدول)، حتى بلغ أشده في روايته (بندر شاه) بجزئيها الصادرين، حتى الآن، (ضو البيت) و(مريود)، وأسأل الله العلي القدير أن تكشف محتويات مكتبته المنزليَّة عمَّا يكون الراحل قد أراد أن يستكمل به هذا العمل الجليل، وليس سوى محمود صالح من يُعَوَّل عليه في تنقيب كهذا. ثمَّ إن (المنسي) ليس ببعيد عن ذلك العالم. وما زلت أذكر، كمهتمٍّ باللغة والثقافة الروسيَّتين، كم كانت سعادتي عظيمة عندما تولى البروفيسير السوفيتي، آنذاك، فلاديمير شاغال ترجمة (موسم الهجرة) إلى اللغة الروسيَّة، ونشرها بمجلة (الآداب الأجنبيَّة) عام 1975م، ثمَّ عندما ترجم إيغور يرماكوف (عرس الزين)، ثمَّ عندما ترجم ل. ستيبانوف جزئي (بندر شاه)، ثمَّ عندما صدرت هذه الأعمال كاملة في مجلد واحد أنيق عن دار رادوغا بموسكو عام 1982م. لقد أفضت دقة رسم الطيِّب لشخصيَّة مصطفى سعيد المركزيَّة في (موسم الهجرة) إلى أن يتبدَّى للجميع كما لو أنه شخصيَّة حقيقيَّة تسعى معهم في الحياة، لدرجة أن الأديب علي أبو سن، صديق الطيِّب وزميله، زعم، مرَّة، أنه هو مصطفى سعيد، مستشهداً بما كان الطيِّب قد صرَّح به، ذات محفل دبلوماسي! غير أن الطيِّب، عندما سُئل، لاحقاً، عن جليَّة الأمر، اكتفى بالصمت والابتسام، مفضِّلاً، في ما يبدو، الإبقاء على المسألة برمَّتها في دائرة الغموض!على المستوى الإنساني تعرَّفت إلى الطيِّب، شخصياً، حين زار السودان في خواتيم سبعينات القرن المنصرم، أو أوائل ثمانيناته. قدَّمني إليه صديقي الراحل الشاعر النور عثمان أبَّكر. وبعدها جمعتنا به الفنانة المسرحيَّة آسيا عبد الماجد في حفل مرطبات صغير أقامته، على شرفه، بباحة بيتها بالشعبيَّة. ثمَّ جمعتنا سهرة لطيفة بصالون قريبه وصديقه السِّر محمد الحسن بحي المقرن، وكان ضمن الحضور الناقدان عبد القدوس الخاتم وعبد الهادي الصديق، والشاعران سيد احمد الحردلو والنور عثمان، والقاص عيسى الحلو، والمغني ود اليمني، وآخرون أنسيتهم. ومنذ ذلك الوقت صرت ألتقيه كلما جاء إلى السودان في زيارات غير رسميَّة، وكلما حباني الحظ، خلال سفراتي المتعددة إلى القاهرة، بأن يكون هو متواجداً فيها. وما عرفت محبَّاً لمصر والمصريين كالطيِّب، اللهم إلا ما بلغنا من تاريخ الإبداع السوداني عن الخليل والتيجاني ونفر آخرين اشتهروا بهذه المحبَّة. وقد قامت للطيِّب هناك صداقات يجلها، لمست بعضها بنفسي وبعضها من مؤانساته الشخصيَّة، ولعلَّ على رأس هؤلاء ناقده الأوَّل، بل أوَّل من شدَّ الانتباه إليه، الراحل رجاء النقاش، وإلى ذلك جابر عصفور، وآخرين. كان الطيِّب بسيطاً، دائماً، في لغته، وفي حياته، وفي أسلوبه في الكتابة، وفي كلِّ شئ، اللهمَّ إلا الحكمة التي أوتيها، والتي ما تلبث أن تتكشف، لمن يتروَّى ويدقق، من خلال بساطته هذه نفسها التي يمكن اعتبارها، أيضاً، وفي بعض أهمِّ جوانبها، (بساطة مظهريَّة)! فهي، بالقطع، ليست ضرباً من (الغشامة)، بل إنها تلتمُّ، في حقيقتها، على شخصيَّة بالغة الرُّقي، هائلة العظمة. ولقد صدق تماماً عندما ردَّ على من وصفوه بأنه هو مصطفى سعيد، قائلاً: لا، أنا أقرب إلى الزين .. أنا الزين!بساطة الطيِّب هي (واجهته) الاعتياديَّة في التعامل مع بسطاء الناس، بل ويحبِّذ، ابتداءً، التعامل بها مع كلِّ مَن حوله، ريثما تغوي أحدهم بالتنطع، حينذاك يستل من قرابٍ خفيٍّ أدوات دهاء ما علمت أن مثلها يتوفر لدى سواه! (5)ورغم أن الطيِّب ينفي مقاربته الشعر إلا هذراً، لكن ما من عين يمكن أن تخطئ شيئاً من عناصر شعريَّته الخاصَّة التي تشكل، في النهاية، بعض مقوِّمات البناء الجمالي في سردياته؛ وهي شعريَّة بصريَّة سينمائيَّة بأكثر منها لفظيَّة بحتة. ففي وصفه، في (عُرس الزين)، للإمام في مشهد علاقته الغريبة بأهل القرية الذين كانوا يمقتونه، ومع ذلك يجمعون له مرتبه آخر كلِّ شهر، بينما هو لا يكفُّ عن تذكيرهم في خطبه، دائماً، بالحساب والعقاب، اقتصاصاً لنفسه منهم، يقول الطيِّب: "كان مثل الضريح الكبير وسط المقبرة!" (عُرس الزين، ص 96 ـ 97). وبعد أن رأى نفس الإمام الراقصة سلامة وقد انحسر ثوبها ".. عاد بوجهه إلى محدثه (و) كانت عيناه مربدتين مثل الماء العكر" (المصدر، ص 124). واستطراداً لعلَّ ذاكرة كلِّ مَن شاهد فيلم المخرج الكويتي خالد الصديقي (عُرس الزين ـ 1976م)، الفائز بجائزة خاصَّة في مهرجان كان، سوف تظل تختزن الأسلوب الرائع الذي أدى به الممثل السوداني الكبير الراحل محمد خيري هذا المشهد، رغم أنه لم يستغرق سوى بضع ثوان من زمن العرض! على أن هذه الشعريَّة بلغت أقصى قممها في (ضو البيت) و(مريود)، بالذات، حيث لم تعُد محض عنصر فني، فحسب، بل جزءاً وقائعياً ضرورياً في السَّرد لا يتجزَّأ من نسيج قماشة (الواقعيَّة السحريَّة) التي كان الطيِّب أوَّل من بدأ اجتراحها باكراً، من خلال (موسم الهجرة) و(عرس الزين) بالأخص، وسبق فيها دهاقنتها الحاليين من روائيي أمريكا اللاتينيَّة الذين ينسب أكثر النقاد، أبوَّتها، خطأ، إليهم! فالزين، في (عُرس الزين)، مثلاً، "ولي من أولياء الله" (ص 35)، أو "لعله نبي الله الخضر (أو هو) ملاك أنزله الله في هيكل آدمي زري" (المصدر، ص 37). لكن، لئن كان (الزين)، أصلاً، نتاج مجتمع (ود حامد)، فإنَّ جُلَّ شغل الطيِّب انصبَّ، بوجه خاص، على ثيمة (الغريب) الميتافيزيقي الذي يهبط، فجأة، من لامكان، ويتلاشى، فجأة، في لامكان، سوى أنه، بين هذا وذاك، يهزَّ المكان المحسوس المرئي هزَّاً، ويرجُّه رجَّاً، محدثاً فيه تحولات عظيمة، خيراً أو شرَّاً، كما لاحظ ذلك باحثون كثر، من بينهم، على سبيل المثال، صديقي عبد الرحمن الخانجي في كتابه (قراءة جديدة في روايات الطيِّب صالح، 1983م). ففي (موسم الهجرة) قلب مجئ مصطفى سعيد ود حامد رأساً على عقب، ابتداءً من خصائص شخصيَّة حسنة بت محمود، وليس انتهاءً بمقتلها الدراماتيكي هي وود الريس في ليلة واحدة. لقد بلغ التغيير نخاع القرية، ودفع بأسفلها إلى عاليها. وهكذا، برغم ما قد يبدو على حال الحياة، في الغالب، من استمرار (مظهري)، حيث "مع كلِّ هبَّة ريح
يفوح أريج الليمون والبرتقال واليوسفندي، خوار ثور أو نهيق حمار أو صوت فأس في الحطب"، إلا أنَّ "الدنيا قد تغيَّرت" (موسم الهجرة، ص 131). وفي (ضو البيت) كان ما أحدثه بندر شاه من تغيير يستحيل، بذات القدر، نظمه في سلك عاديَّات الحياة، حيث "فجأة اختلَّ ذلك التناسق في الكون، فإذا نحن، بين عشيَّة وضحاها، لا ندري من نحن، وما هو موضعنا في الزَّمان والمكان" (بندر شاه: ضو البيت، ص 19)، و"كانت البلد كأنَّ طائراً رهيباً اقتلعها من جذورها، وحملها بمخلبيه، ودار بها، ثمَّ ألقاها من شاهق!" (نفسه، ص 24)، و"كنا مثل سرب عظيم من طيور مذعورة تفترق لتلتقي، تعلو وتهبط، وتدور بعضها حول بعض، محدثة صراخاً منكراً يصمُّ الآذان" (نفسه، ص 25). وفي (مريود) يقول الطيِّب على لسان الراوي: "فجأة أحسست بمريم، بُعيد العِشاء أو قبيل الفجر، لا أعلم، لكنني أذكر ظلاماً رهيفاً، وضوءاً ينسكب على وجهي من عينيها .. (و) سمعت صوتها كأنه ينزل من السماء، ويحيط بي من النواحي كافة، تطويه رياح وتنشره رياح" (بندر شاه: مريود، ص 85). ويقول، أيضاً، عن صوت بلال (روَّاس مراكب القدرة) الذي استيقظ عليه الناس، ذات فجر، ينادي من على مئذنة الجامع، بعد إذ كان قد امتنع عن الأذان وعن دخول الجامع منذ وفاة شيخه نصرالله، إنه ".. كان كأنه مجموعة أصوات، يأتي من أماكن شتى ومن عصور غابرة، وإن ود حامد ارتعشت لرحابة الصوت، وأخذت تكبُر وتكثر وتعلو وتتسع، فكأنها مدينة أخرى في زمان آخر" (بندر شاه: مريود، ص 46).(6)خريف 1988م، وأثناء سيوله وفيضاناته الشهيرة، كان الطيِّب في إحدى زياراته إلى السودان. فأبلغته رسمياً بقرار اتحاد الكتاب بمنحه العضويَّة الشرفيَّة، فأدهشني الحبور الذي بدا على محياه وهو يحمِّلني شكره للزملاء بلجنة الاتحاد. تفسيري الوحيد لذلك أنه، مع كلِّ هالات الضوء والتكريم والتشريف التي تحيط بهامته السامقة عالمياً، كان يعزُّ أقلَّ القليل الذي يأتيه من وطنه بوجه خاص، ما جعله، طوال العُمر الذي قضاه في بريطانيا، يصرُّ على التمسُّك بجواز سفره السوداني! قلت له: ـ "لا .. إنت حتشرفنا في دار الاتحاد وتجتمع مع اللجنة، لكين بعد ما نعمل ليك محاكمة"! وسألني ضاحكاً:ـ "محاكمة كيف يعني؟! إنت بتجيب جنس الكلام ده من وين"؟!ثمَّ ما لبث أن وافق، متحمِّساً، بعد أن شرحت له مشروع الندوة الطريفة التي نعتزم إقامتها لتدارس بعض أهمِّ الإشكاليات التي تثيرها أعماله، في شكل محاكمة بممثل اتهام وممثل دفاع وقاض رمزي لإدارة الجلسة، على أن القاضي الحقيقي سيكون الجمهور!وهكذا انعقدت (محاكمة الطيِّب صالح) غير المسبوقة، وقتها، بحديقة دار الاتحاد بالمقرن. جلس الشاعر فضيلي جماع في مقعد القاضي الرَّمزي، ووقف المرحوم الناقد عبد الهادي الصديق في خانة الاتهام، والشاعر محمد المكي ابراهيم في خانة الدفاع، وكان حواراً ساخناً امتدَّ إلى منتصف الليل، بمشاركة نقاد وأدباء آخرين من مقاعد الجمهور، بالإضافة إلى الجمهور نفسه. وكان القاضي فضيلي يتيح الفرصة للطيِّب، كلما طلبها، للتعقيب على ما يقال. وما زلت أذكر، على نحو خاص، تعقيبه على ما أثار ناقد متزمِّت، حيث قال الطيِّب ما يعني إن أكثر ما يثير لديه الإشفاق حال من يخترعون للقرية (أخلاقاً) سرمديَّة لا تتأثر بالصراع الاجتماعي، كما وأن أكثر ما يثير لديه الرثاء حال من يحاكمون (الإبداع) بمقايسات (الأخلاق العامَّة)، فلا أرضاً يقطعون للأوَّل، ولا ظهراً يبقون للأخرى!بعد (المحاكمة) جلس معنا في اجتماع استثنائي للجنة الاتحاد، وسألنا: "كيف يمكنني مساعدتكم"؟ قلنا: "ديوان (إشراقة) تعدَّدت طبعاته الشائهة، حتى لقد التبس شعر التيجاني تماماً. فلو وجدنا منحة من اليونسكو العالميَّة أو الأليسكو العربي لتحقيقه ونشر طبعة منه بكميات كبيرة، لأضحت هذه خدمة للشعر السوداني لا تقدَّر بثمن. ونريد أن نستثمر علائقك في هذا السبيل". تحمَّس للأمر أيَّما حماس، ووعد بالسعي فيه، حالما يصله منا ما يفيد بالميزانيَّة المطلوبة.رشَّحنا عبد الله علي ابراهيم لتولي المهمَّة، وعبد الله اقترح ضم المرحوم عبد الحي إليه، لكنَّ سوء تفاهم وقع، في ما بعد، من جانب عبد الحي، حول أصل الموضوع وفصله، مِمَّا استغرق فضُّه شهوراً، حتى وقع الإنقلاب، وحُلَّ الاتحاد، وانتزعت الدار، وتفرقنا أيدي سبأ! (7)ـ " قلت نعم. قلت نعم. قلت نعم. ولكن طريق العودة كان أشقَّ لأنني كنت قد .. مشيت"!(خاتمة بندر شاه: مريود، ص 86)شعب السودان سوف يظلُّ مديناً لأرملته وبناته اللاتي حرمن أنفسهنَّ، بمشاعر إعزاز فياض لذكرى حبيبهنَّ الغالي، حين تنازلن عن فكرة دفنه إلى جوارهنَّ بلندن، ولو أصررن لكان القانون الإنجليزي في صفهنَّ. لكنهنَّ رأين أن من الأوقع تماماً دفنه في ثرى الأرض الغبشاء التي أحبَّها بكلِّ جوارحه، وقال إنها "لا تنبت إلا الشعراء والأنبياء"، وبين ملايين الناس الذين أحبهم، وحملهم في حدقات عيونه، وجعل لهم ذكراً في العالمين، وبقي وفياً لهم إلى آخر رمق في حياته العامرة بجلائل المكرمات، المزيَّنة ببساطة وتواضع المتصوِّفة النائين بأنفسهم عن عرض الدنيا الزائل، حتى مضى وكأنه كان معلقاً، أصلاً، بخيوط الشمس الغاربة! هكذا أمكن لنا أن نستقبل جثمانه بمطار الخرطوم في الرابعة والنصف من صباح الجمعة 20/2/09، وأن نشيِّعه، في التاسعة والنصف، في موكب مهيب، لنواريه الثرى بمقابر البكري بأم درمان.........................................................إنَّ "موته .. خسارة لا تعوَّض"! محجوب عن مصطفى سعيد (موسم الهجرة، ص 104 ـ 105)وإنا لنشهد بأنه عاش "كأنه وطـَّن نفسه على الموت"! عبد الخالق عن ضو البيت (بندر شاه: ضو البيت، ص 132)فقد "أحبَّ بلا ملل، وأعطى بلا أمل، وحسا كما يحسو الطائر .. حلم أحلام الضعفاء، وتزوَّد من زاد الفقراء، وراودته نفسه على المجد فزجرها، ولما نادته الحياة .. لما نادته الحياة ..!" (بندر شاه: مريود، ص 85)وكثيراً ما كان يردِّد أن "ابن آدم إذا كان ترك الدنيا وعنده ثقة إنسان واحد يكون كسبان"! ود الرَّوَّاس (بندر شاه: مريود، ص 38)وكان يقول، أيضاً، إن "القوَّة ليست للجسد، بل للروح والعزيمة"! (بندر شاه: ضو البيت، ص 35 ـ 39)كما كان يقول: "يوم يقف الخلق بين يدي ذي العزَّة والجَّلال، شايلين صلاتهم وزكاتهم، وحجَّهم وصيامهم، وهجودهم وسجودهم، سوف أقول: يا صاحب الجَّلال والجبروت، عبدك المسكين الطاهر ود بلال ولد حواء بنت العريبي يقف بين يديك خالي الجراب، مقطع الأسباب، ما عنده شئ يضعه في ميزان عدلك سوى المحبَّة!" الطاهر ود بلال (بندر شاه: مريود، ص 64)........................................................اللهم، ها هو الطيِّب أمسى في رحابك، ضارعاً يتكفَّف غوث عزَّتك ببابك، وإنا لنتوسل بك اليك أن تكرم نزله وأنت خير المنزلين، وأن تؤنس وحشته وأنت خير المؤنسين، وأن تغفر له وترحمه وأنت خير الغافرين الراحمين، وأن تعيذه من العذاب وأنت الغني عن عذابه يوم الدِّين، فيمِّن، يا ربُّ، كتابه، ويسِّر حسابه، وثبت علي الصراط اقدامه، وثقل بالحسنات ميزانه، وافرش قبره من فراش الجنة مع الصِّدِّيقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
سودانايل
الخرطوم بحري
الأحد 22/2/2009مkamalgizouli@hotmail.com

الثلاثاء، 24 فبراير 2009

محجوب شريف في الدوحة




محجوب شريف في الدوحة صباح الجمعة

يصل الى دوحة الخير في السادسة من صباح غد الجمعة 16 ابريل 2007الشاعر العملاق محجوب شريف وترافقه زوجته الكريمة الاستاذة اميرة الجزولي ، وسيكون في استقباله اعضاء رابطة اصدقاء محجوب شريف ، ومعجبيه وعموم البورداب والدوحاب ، والصحافيون والاعلاميون . واعدت رابطة اصدقاء الشاعر الكبير برنامجا يليق بعظمة الشاعر ومكانته في الوجدان السوداني وكرمز حمل هموم الوطن في حدقات عيونه وسطرها شعرا بدماء قلبه ، وقضى عمره يعلم الاجيالا ، وهنا نقول (القومة ليك ياشاعرنا الهمام) .

انتظم خلال الفترة الماضية جهد نهض به نفر كريم من رابطة اصدقاء محجوب شريف في السعودية وقطر ، من ابرز ملامحه اعداد مطوية تحمل قصائد الشاعر ونبذه عن سيرته ، وتحتوي على سي دي للاستماع لقصائده . ، المطوية حملت صورة شاعرنا الفذ وعليها عبارة (دينك كم علينا) –بفتح الدال- وفي الوجه الثاني ، مقطع : مكان الطلقة عصفورة تحلق حول نافورة وتمازح شفع الروضة. وايضا عبارة(اسمر كما حلمك جميل ).
***************
الوطن عند محجوب شريف :
الاسم الكامل : انسان
الشعب الطيب والدي
المهنة: بناضل وبتعلم
تلميذ في مدرسة الشعب
المدرسة فاتحة على الشارع
والشارع فاتح في القلب
والقلب مساكن شعبية
*************
وصباح الجمعة نهتف
(كلنا محجوب)
و نردد (في قلوبنا يا محبوب)
اطفالنا الزغب الصغار سيزرعون الفرحة
والكبار يقفون تحية وتجلة
****
ولان الخرطوم والدوحة يجمعهما (محجوب) ولانه مثل السحابة اينما حل يمطر شعرا فيمكن ان نقول :
غني يادوحة غني
غني يا خرطوم غني
شدي اوتار المغتي
ضوي من جبهة شهيدك
امسيلتك واطمئني
نحن منك ريح وشبت
****************

والوطن ايضا حاضرا اينما حل محجوب
وطنا ...
الباسمك كتبنا ورطنا
احبك
مكانك صميم الفؤاد
وباسمك اغتي ..
وتغني السواقي
خيوط الطواقي
سلام التلاقي
دموع الفراق
واحبك ملاذ ..وناسك عزاز
احبك حقيقة
احبك مجاز
احبك بتضحك
احبك مجاز
**********
وعهد محجوب كان (حنبنيهو)

حنبنيهو
البنحلم بيهو يوماتي
وطن شامخ
وطن عاتي
وطن خير ديمقراطي
*******
وطن ماسك زمام امرو
ومتوهج لهب جمرو
وطن غالي
نجومو تلالي في العالي
سيلدة
ارادة
حرية

نداء للوطن ولمحجوب